12/04/2014

الوعد الحق - الوصية - الجزء الثاني


من منع وارث من إرثه منعه الله من إرثه في الجنة يوم القيامة , هذه قاعدة , والإرث ليس عندما يموت فقط ولكن في الدنيا أيضاً فلا يميز ولد على ولد , فكما قلنا فمسألة البر والعقوق بين الولد وربه , وهناك من يحب أحد أبنائه أكثر من الآخر فمثلاً يحب الولد البار به أكثر من العاق فهذا شئ ليس بيده ولكن لا تظهر هذا الحب ولا تفرق به بينه وبين إخوته , فما كانت كارثة يعقوب إلا أنه أظهر حبه ليوسف فقال إخوته ]  لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ[  وهنا دخل الشيطان بيت سيدنا يعقوب فهل بيوتنا أشرف من بيت نبى الله يعقوب .
وهناك لكل قاعدة استثناءات فمثلاً أنا عندي أربع بنات زَوجت منهن ثلاث والصغرى لم تكمل تعليمها ولم تتزوج إذاً فأحجز لها قدر ما أنفقته على أخواتها السابقات بقدر ما تكمل تعليمها وتتزوج هذا هو العدل , والإبن المريض نفس القضية , فسألوا أعرابية من تفضلي من ابناءك قالت : الصغير حتى يكبر والمسافر حتى يعود والمريض حتى يشفى , ويتم النظر بهذا المنظور ولكن لا تنسى أنك تتحكم فقط بثلث ما تملك , وسعد بن ابي وقاص أراد ان يوصي بكل ماله إلي خارج البيت فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : لا ياسعد , قال : بنصفه , قال : لا ياسعد النصف كثير , قال : بثلثه , قال : هو الثلث الأخير .
ونَذكر عمر بن عبد العزيز فكان له ثلاث عشرة بنتاً قالوا أتترك بناتك ولا توصى لهن بشئ قال إن كن صالحات فإن الله كان للأوابين غفورا وإن كن غير ذلك فلا أُعطيِهن ما يَتقوين به على معصية الله فمات بن عبد العزيز وتزوجت كل بنت أمير من الأمراء أو غني من الأغنياء , فالإنسان اليوم يخاف ويُؤمّن على حياته هنا وهنا ونسى أن الله تعالى أعطاه التأمين الإلهي ] وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا  [  إذن فأنا اتقي الله فيما أكتسبه ولا أجور على الناس هنا أو هناك , فيغني الله تعالى أبنائي من فضله .
وأنظر إلى سيدنا عيسى يقول : أنا لا أحمل هم الغد , لماذا يانبي الله , فيقول : يابني إسرائيل إن جاء الغد وأنتم على قيد الحياة فسوف يأتيكم رزقكم , وإن جاء الغد وأنتم أموات فلا تحملوا هم أرزاق غيركم لأن من رزقكم سوف يرزقهم , إذاً لا تحمل هم ابناءك ولكن أحمل همهم في شئ واحد فقط وهو أن تربيهم على طاعة الله , فالأموال إذا جاءتك من حلال فخير وإذا لم تأتي فلا تتصارع عليها وكن مثل سيدنا زكريا ] فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا  * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا  [ والإرث هنا كان الحكمة والعلم ولم يكن مقصوداً به المال , وهنا قال سيدنا زكريا واجعله ربي رضيا ولم يقل مرضيا او راضيا , فالرضيِ هو من رضِىَ عنه ربه ورضِىَ هو عن ربه ورضِىَ عن الناس ورضِىَ عنه الناس فمن شدة رضاه يوزع الرضا عمن حوله.
فها هو جبريل يقول : يامحمد أبلغ ابا بكر مني السلام , قال : يأبا بكر جبريل يبلغك السلام , قال : وعلى جبريل منا السلام , فقال جبريل : قل له يأبا بكر إن ربك راضٍ عنك فهل أنت راضٍ عنه , فبكى ابا بكر وقال : أنا عن ربى راضٍ أنا عن ربى راضٍ , أنا أدعوه هو أن يكون راضٍ عنى .
ومصيبة أُخرى أن بعض الناس الآن يكتب كل ما له إلي الولد لأنه ولد ولا يكتب للبنت فيقول كيف تذهب أموالى إلي الغريب , أليس هذا الغريب الذي استأمنته على إبنتك وعلى عرضك فلا تستأمنه على أموالك أو قطعة أرض أفهذا يعقل.
وعند كتابة الوصية يجب أن أكون في حالة صفاء ذهني وأستحضر أنني قادم على رب العباد عز وجل فهذه الوصية تخص أول مرحلة في مراحل الآخرة , فماذا قال ابا بكر في أول وصيته , هذا ما عاهد عليه أبي بكر بن ابي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها وأول عهده في الآخرة داخلاً فيها أقول ... , وأبو حامد الغزالي يوم موته قال أريد أن أُقابل السلطان فقال له ماذا تريد ولم يكن متزوجا وليس عنده اولاد وكان عنده 55 عاماً قال أُريد ماءً لأغتسل وثوباً أبيض ودخل الغرفة وتأخر فكسروا الغرفة عليه وجدوه نائم على جنبه الأيمن بعد أن اغتسل ولبس الثوب الأبيض وصلى ركعتين ووجدوه مكان الصلاة واضع كفه على خده وتارك بجواره ورقة مكتوب فيها
                      قل لاخـــــوانٍ رأوني ميتـــاً      فرثوني وبكونـي حزنـاً   

                      أتظنـون بأني ميتٌ ليس       ذاك الميــــــــت والله أنـــا

                      أنا عصفور وهذا قفصي       طرت عنه ابتغي مرتهنـا        
 ... الي ان قال
                       وأنا اليوم اناجي ملئـا             وأري الله جهـارا علنا
 وعمر بن عبد العزيز قال لزوجته فاطمة : أُخرجيِ عني الآن إني أرى بالحجرة وجوهاً ليست بوجوه إنس ولا وجوه جان وإنما يحبون الريح الطيب وذكر الله , فخرجت فاطمة ولكنها لا تريد أن تفوت هذه اللحظات فتسمعت , فسمعته يقول : مرحباً بأبي البشر آدم , اهلاً برسول الله نوح , مرحباً بأب الأنبياء إبراهيم , أهلاً بكليم الله موسى , مرحباً بروح الله عيسى , اهلاً سيدي رسول الله , مرحبا بملك الموت زائر أتى على موعد , وأنا أشهد أن لا اله الا الله واشهد ان محمد رسول الله .
ونستعرض نموذجاً للوصية كما كان الصحابة رضي الله عنهم يوصون فأكتب فيها
1- بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به فلان بن فلان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن  
    محمداً عبده ورسوله وأشهد أن الساعة حق والموت حق وأن الله يبعث من في القبور .
2- أوصى من تركت من أهلي أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم ويتمسكوا بالكتاب والسنة وينصروا الإسلام
    ويحيطوا العلماء ... الى آخره
3- أذكر ما تركت من مال أو ما يوصى به من حقوق مادية ونحوها .
4- أوصى بمن يغسلني ومن يكفنني ومن يصلى على .
5- أوصى بالبعد عن البدع سواء النائحة أو استئجار المقرئين كما يحدث اليوم أو لطم الخدود ... الى آخره
    , وكل ما هو بعيد عن الكتاب والسنة فإني منه برئ .
ومن السنة أن لا نكثر عدد المغسلين وأن لا يكون هناك نائحة , وجاء في الأثر من ناحت على ميت ولم تتب كانت كمن هدمت الكعبة بيديها او أخذت حربة تحارب بها رب العالمين , وليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود ودعا بدعوة الجاهلية , فأنص في الوصية على أن لا يكون هناك نائحة ولا مجمع للنساء , وأن يصلي علىَ فُلان , وإذا وضعتوني في اللحد أن تستقروا على قبري ساعة , فالميت كالغريق يريد دعوة تنقذه أو حسنة تدركه , وعندما سألوا عمرو بن العاص لماذا كتبت في وصيتك أن نستقر عند قبرك قدر ساعة , فقال : حتى أستأنس بكم كي أستطيع مراجعة ملائكة ربي , فهذه أصعب لحظة على الإنسان منذ أن خلق
على الأعناق قد حملوك , وفي التراب قد دفنوك ووحيدا قد تركوك ولو ظلوا معك ما نفعوك ولم يبقي معك الا أنا وأنا الحي الذي لا يموت
فأعمل لهذه اللحظة وأامل في عفو الله ولكن مع عفو الله لابد من عمل , قال يارسول الله اريد ان أكون رفيقك في الجنة قال أعني على نفسك بكثرة السجود , وقال عليه الصلاة والسلام لأهله : يابني هاشم يابني عبد مناف لا يأتيني الناس بالحسنات يوم القيامة وتأتوني بأوزاركم تضعونها على ظهوركم تقولون عند الصراط أدركنا يامحمد  فأقول لكم ما قاله العبد الصالح : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم , فمن بطئ به عمله لم يسرع به نسبه فنحن قادمون على أمر يجب أن ندرسه جيداً الموت وإلا لما أوصى علي t ابنه فقال له ياحسن يابني ادرس الموت وتعلمه جيداً حتى إذا جاءك فلا يفجعك فيبهرك  , فلابد أن نستعد فهذه أهمية الوصية الإعداد للموت , يأخى في الله إنك إذا ذهبت لمقابلة شخص مهم فإنك تعد نفسك له فما بالك وأنت ذاهب لمقابلة الكريم سبحانه وتعالى , وأي وصية تخرج عن حيز كتاب الله وسنة رسوله تُلغى وهذا لا يوجد فيه ضير على الحي تجاه الميت , فمثلاً هناك من يوصى أولاده بأن لا يزوروا عمهم فلان فهذا غير مقبول .