12/02/2014

الوعد الحق - مرض الموت - الجزء الثاني


- فوائد المرض :
ولا تنظر إلى المرض بأنه داعياً إلى الموت , لكن أنظر له بأنه إشعار بذلة العبد وضعفه, فيأتي المرض ليذكر الغافل , فالإنسان هذه الأيام كالترس في الآلة من العمل إلى المنزل إلى هنا إلى هنا وغفل عن الموت , فإذا مرض الإنسان فإنه يرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويسأله الشفاء وليس له هم إلا أن يشفى , ولذلك قال عبد الله بن المسعود  
لا يكن احدكم قُطْرُب (القطرب هو ذكر النحل فهو نشيط جداً أي لا تستريح نهاراً سعياً) نهار , جيفة ليل
إذاً فالعبد يستفيد من المرض بعدة أمور, الأمر الأول وهو التطهير فيرى المريض أنه صنع ذنوب كثيرة , فرب العباد يريد أن يطهره منها, والأمر الثاني أن الله عز وجل يريدني أن أكون ذليلاً لعزته سبحانه وتعالى فالإنسان عندما يكون في صحة وعنده المال وعنده الجاه فماذا يريد من الآخرين؟ لا شئ , فلما يمرض تجد هذا الجبار الذي كان صوته مرتفعاً ذليلاً لله عز وجل وهذه محبة وكرم من الله , والأمر الثالث أن المرض نعمة له ونعمة لنا فعندما نراه مريضاً نقول الحمد لله الذي عافاني مما ابتلا به كثير من خلقه , والأمر الرابع أن الله سبحانه وتعالى جعل عيادة المرض (زيارة المريض) حقاً على المسلم فهو يثاب عليها لأن حق المسلم على المسلم ست : إذا لقيته فسلم عليه , إن أصابه خير هنئه , إن أصابته مصيبة فعزه , إن عطس فحمد الله فشمته , إن مرض فعده , إن مات فشيع جنازته .(رواه مسلم من حديث أبي هريرة وهو صحيح)
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (إن الله عز وجل يقول يوم القيامة يابن آدم : مرضت فلم تعدْني , قال : كيف أعودك وأنت رب العالمين , قال أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده , أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده , يابن آدم : استطعمتك فلم تطعمني قال يارب كيف أطعمك وأنت رب العالمين , أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي , يابن آدم : استسقيتك فلم تسققه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ) (رواه مسلم من حديث أبي هريرة وهو صحيح) , فمن زار المريض فاضت الرحمة من وفرة شعره الى أخمص قدميه وصلى عليه سبعين ملك إلى أن يعود , وللآسف هذه الايام عندما يزور أحد مريض فإنه يزوره لأنه كان يزوره وهذا خطأ كبير فلا تنسى أن زيارة أخيك المسلم حق له عليك سواء كان يزورك أو لا , فيجب أن تكون النية خالصة لله وإلا ما وجدت الله عنده , فالله تعالى لا يقبل من العمل إلا أخلصه وأصوبه , فيقول تعالى : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من أشرك في عمل معي غيرى , وضعت نصيبي لشريكي .
- الآداب التي يتحلى بها المريض :  
وهناك بعض الناس عندما يمرضون يقولون : لماذا أنا الذي أمرض , لماذا ليس فلان وهذا لا يرى بعين المسلم المؤمن بل يرى بعين عبد الدنيا , وقال الرسول (صلى الله عليه وسلم) (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة(أي الكساء)، تعس عبد الخميصة، إن أُعطي رضى وإن مُنع غضب، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)(رواه البخاري وسلم من حديث أبي هريرة وهو صحيح) (إى إذا أصابته مصيبة مثل الشوكة مثلاً فلا أُخذت عنه بالمنقاش الذي يزال به الشوك) أي العبد الذي كل همه في الحياة المال والتزين وغيره من متاع الدنيا فالمال وغيره من متع الدنيا وسيلة لا غاية .
ومن الآداب التي يجب أن يتحلى بها المريض أيضاً أن يراجع العبد حساباته مع الله فيراجع نفسه وعمره الذي مضى هل استثمره في ما يرضي الله ؟ هل هو مستعد لملاقاة ملك الموت ؟
ولا تقول إن الله هو الشافي ولا يوجد دواء , فالله سبحانه وتعالى خلق أسباباً ولابد من أن يتطبب الإنسان , فبجوار الرقية الشرعية العلاج بالأدوية , لأن هذا من ضمن طرق الأسباب عند الله سبحانه وتعالى , فقال كليم الله موسى فيما روى في الأثر يارب : أليس الشفاء من عندك , قال بلى ياكليم , قال فماذا يصنع الأطباء , قال : يأكلون أرزاقهم ويطيبون نفوس عبادي حتى يأتى شفائي أو قضائي .
وقد يكون ألم المريض مبرحاً ولكن المؤمن الصادق يشكو بثه وحزنه إلي الله فيحمد ربه ويشكره على كل حال فالشافعي في مرض موته خافوا عليه فأتوا له بطبيب فنظر اليه وابتسم وقال
طلبوا لي طبيب الورى وطلبت أنا طبيب السماء , طبيبان ذاك ليعطي الدواء وذاك ليجعل فيه الشفاء
ولما مرض أحمد بن حنبل وهو تلميذ الشافعي , خاف الشافعي أن يذهب العلم بذهاب أحمد , فرجع الشافعي من عيادة أحمد مريضاً (انظر أخي الحبيب إلى قمة التواصل والروح الجميلة بين المسلمين فقد مرض لما رأى تلميذه مريضاً) , فلما علم الإمام أحمد بأن الشافعي عاد من عيادته مريضاً , تحامل أحمد وذهب إلى الشافعي فقال الشافعي
مرض الحبيب فعدته فمرضت من خوفي عليه , فأتى الحبيب يزوروني فبرأت من نظري اليه
- آداب عيادة المريض :
ومن الناس من يقول عند زيارة المريض هذا من أعماله سُلط عليه , وهذا من سوء أدب العبد فهذا ظلم لأخيك المسلم فمهما حدث منه فحقه علي أن أدعو له بالشفاء , ولا تنسى أن ابتلاء البدن مهما كان عظيماً حتى ولو كان فشل كلوي أو غيره  فهذا ابتلاء بسيط مقارنة بالعبد الذي يُبتلى في دينه , والعبد الذي يُبتلى بمرض من حقه على أن أعوده بالزيارة , أما الذي يُبتلى في دينه فحقه علي أن أدعو له بالهداية , ومن امارات الإبتلاء في الدين أن يُغلّق في وجه العبد أبواب الطاعات وهو سائر نحوها , وتفتح له أبواب المعاصى حتى وإن لم يذهب إليها وهذا هو المرض الحقيقي .
قال (صلى الله عليه وسلم) (إذا زرتم المريض فنفسوا له في أجله , فإن هذا لا يرد من قضاء الله شيئاً ولكنه يطيب من نفس المريض) (رواه الترمذي وابن ماجة وهو ضعيف جداً) فيجب أن تُنفس للمريض في أجله وتثير في نفسه التفاؤل كما قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم , فمثلاً تقول للمريض كنت أعرف أكثر من شخص بهذا المرض وشفاهم الله , إن فلان كان مريض بأكثر من هذا وشفاه الله , أن الله أرحم بالإنسان من نفسه , لعله من الخير ما أصابك ] عَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ [ , تذكره بمن هو أعظم مصيبة منه ومن هو أشد منه مرضاً , تذكره بأن الله لن يرحمه من الأجر العظيم إذا صبر , تذكره بأن دعائه مقبول وأن الملائكة يؤمنون عليه .
وأيضاً الدعاء والرقية الشرعية (الرجل للرجل والمرأة للمرأة إلا إذا كانت المرأة من محارمه الزوجة مثلاً) أضع يدي اليُمنى على الجزء المريض واقرأ فاتحة الكتاب فهى الشافية , فإذا كانت هذه اليد طاهرة لم تأخذ حراماً لم تلمس حراماً لم ترتكب حرمات وتكون الفاتحة خارجة من قلب صادق مفعم بالإيمان جعل الله فيها الشفاء , فها هو عمر رضى الله عنه دخل مع الصحابة إلى مريض فقرأ الفاتحة فقام الرجل نشطاً وكأنه ليس به شئ ثم مات عمر وعاود المرض الرجل , فجاءه صحابي وقرأها وقاله له كيف ترى نفسك قال له الرجل المريض أنا كما أنا لم يتغير شئ , فقال الصاحبي أين يدينا من يد عمر ! تلاوتنا من تلاوته ! وقلوبنا من قلوبه , فسبحان الله الفاتحة هي الفاتحة ولكن أين يد عمر , فالقضية ليست كلام يردد , حتى الدواء المادي أحياناً يصلح مع فلان ولا يصلح مع فلان لأن الله وضع السر بالشفاء في هذا وسلب السر بالشفاء من هذا والدواء واحد , وأرقيه  كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يضع يده على موضع الألم ويقول : بسم الله ثلاثاً , أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك , شفاءً لا يغادر سقماً , اللهم ما كما رحمتك في السماء أنزل رحمتك على الارض انزل على هذا المريض رحمة من رحمتك وشفاء من شفاءك , وفي رواية اخري أن أضع سبابتي على فمي ثم على الأرض ثم على الجزء المريض وأقول بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا , أو أقول بسم الله ثلاث مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما تجد وتحاذر سبع مرات ويجوز أيضاً أن يرقي المريض نفسه .
- فوائد ذكر الموت :

قال عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه: ذكر الموت يعطيك أشياء ثلاثة: تعجيل التوبة، والرضا بالقليل، وعدم مشاحنة أهل الدنيا في دنياهم فيطمئن , والرضا بالقليل يحقق أحد محاور التقوى الأربعة وهي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والإستعداد ليوم الرحيل , ودخل رجل على ابن عمر رضي الله عنهما وقال له سمعتك تقول إن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم أى خمسمائة عام من أيامنا هذه ] إِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ  [ فهل أدخل أنا وأنا رجل فقير الجنة قبل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أحد المبشرين بالجنة وهو من أغنياء الصحابة , قال له ابن عمر ألك ثوب يسترك وبيت تسكنه ؟ قال نعم , قال له :أنت من الأغنياء , فقال الأعرابي متعجباً : وإذا كان لي خادم , قال له : أنت من الملوك , فيامؤمن من أمسى منكم آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا , فمن رضي فله الرضى ومن سخط فعليه السخط , ثم إن ذكر الموت يجعلني لا أُحارب أهل الدنيا في دنياهم ففي كل الحالات سوف يأتيني ما قدر لي من الدنيا فالغنى ليس غنى المال ولكن الغنى غنى النفس .