12/02/2014

الوعد الحق - مرض الموت - الجزء الأول


? مرض الموت :
- الأجل أقرب للإنسان من الأمل : هذه قاعدة فالإنسان يأمل أن يعيش وأن يربي وأن يَحوز المال والمناصب , والحرص أهلك أهله , وأَسوأ الناس من عنده طول الأمل , والعاجز من أتبع نفسه هواها وتَمنى على الله الأماني (أي جعل نفسه تابعة لهواها ثم يقول إن الله غفور رحيم) فلابد للعبد أن يراجع حساباته فمِن كرم الله تعالى أن لم يترك الإنسان سُدى وإنما أعطانا المنهج واضحاً , وجاء حبيبنا (صلى الله عليه وسلم) وقال ( تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ) (رواه بن ماجة عن العرباض بن سارية وصححه الألباني), فَعَلمنا أننا موجودين في هذه الدنيا ثم نرحل , فما أنا في هذه الدنيا إلا كعابر سبيل استراح تحت شجرة ثم راح وتركها كما قال صلى الله عليه وسلم (مالى وللدنيا فما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)
(رواه الترمزي من حديث عبدالله بن مسعود وهو حديث صحيح حسن), هذا هو قانون المسلم الحق , فالدنيا ممر وليست مقر فلو رأيت إنسان يبني بيتاً فوق جسر فماذا يقال له ؟ غير عاقل (ونقول غير عاقل وليس مجنون فكلمة المجنون هذه تقال للبعيد عن رحمة الله وليس للذي سُتر عقله , هكذا قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ( لا تقولوا مجنون قولوا مصاب, إنما المجنون المقيم على معصية الله ) (ذكره صاحب كنز العمال عن أنس بن مالك وقيل ضعيف) , فالذين يعتبرون أن الدنيا هي نهاية المطاف أو هي الغاية أضاعوا حياتهم وما أخذوا منها إلا ما كتب لهم ويظل الحساب يوم القيامة
يقول شداد بن أوس (إنكم لن تروا من الخير إلا أسبابه , ومن الشر إلا أسبابه , الخير كله بحزافيره في الجنة , والشر كله بحزافيره في النار , وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البَر والفاجر والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل ولكلٍ ثبوت فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا )
فالدنيــــــا عــــــــرض حاضـــــــــــر يأكـــــــــــل منــــــــــــه البـَــــــــر والفاجــــــــر
والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل يحق الحق ويبطل الباطل
فهذه أحد ركائز الوعد الحق , فالدنيا عرض زائل , فالله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب , ولكن لا يعطي الدين إلا لمن أحب , وللأسف عندما تختبر الناس في دينهم وتقول لهم مثلاً : إن فلاناً قد رزق برزق كبير , لا يخطر بباله أبداً أن يسألك ويقول : هل حفظ القرآن ؟ هل حفظ ابنه القرآن ؟ هل تحجبت ابنته ؟ هل يقوم الليل؟ هل عفى عن جيرانه وأقاربه ووصل رحمه ؟ فلا يسأل عن هذا وإنما يسأل عن الدنيا , ويقول ابن القيم : طرقت الأبواب الي الله عز وجل كي أجد أقربها باباً فوجدت على الأبواب كلها كظيظة (أي زحام) فوجدت أن أقرب باب إلى الله تعالى هو باب الذل إليه سبحانه وتعالى , فنحن في الدنيا مثل جماعة ركبوا سفينة ارفأت بهم إلى جزيرة أراد قبطان السفينة أن يستريح ركابها , فقال : أهبطوا على أرض الجزيرة وتعالوا سريعاَ كي يلحق كل إنسان منكم مكانه , فانقسم الركاب إلى أقسام ثلاثة : قسم سمع كلام الربان , نزل وعاد فوجد مكانه فجلس , وقسم ثاني جاء بأحمال أعجبته من على الجزيرة وجاء متأخراً , فقال له الربان : أين تضع هذه الأحمال ؟ ليس لك إلا المقعد الذي تقعد فيه اجلس وضع هذه الأحمال عليك , وقسم ثالث : لما رأى جمال الجزيرة نسي نفسه في الجزيرة ورحل ربان السفينة وتركه , ولله المثل الأعلى فالله عز وجل أنزلنا إلى هذه الأرض فمِنا من اعتبرها ممر ومنا من اعتبر أنه يغتنم بالحلال والحرام منها ومنا من نسى نفسه واعتبرها مقر , فنحن في هذه الدنيا كعمال جاء بهم رب البيت ليعملوا له في البيت عملاً ووزع عليهم أعمالهم ثم غادرهم وقال لهم ساعة المغرب سآتي لأعطي كل واحد منكم حسابه فأنقسموا أيضاً إلى أقسام ثلاث : منهم من قال لابد من العمل , ومنهم من قال إني سوف آخذ حسابي لأن صاحب العمل رحيم فينام ساعة ويعمل ساعة , والقسم الثالث قال لماذا سأتعب ؟! سوف أنام وأذهب آخر اليوم لكي أخذ حسابي , ولما كان موعد دفع الأجور علموا أن صاحب البيت لم يغادر المكان وإنما كان يراقبهم من كوة , ولله المثل الأعلى فالله عز وجل أنزلنا إلى هذه الأرض وتركنا نعمل وكلاً يُحاسب على قدر عمله , وقد ورد في الحديث القدسى أن الله تعالى قال : ياعبادي , إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم , ثم أُوفيكم إياها , فمن وجد خيراً فليحمد الله عز وجل , ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه . (رواه مسلم من حديث ابي ذر وهو صحيح)
- موت الفجأة :
والله عز وجل من رحمته بنا أنه قد يميت إنسان فجأة , وقد يقتص من إنسان بأن يميته فجأة , فقال صلى الله عليه وسلم (إن موت الفجأة راحة للمؤمن وحسرة على الفاجر) (رواه أحمد من حديث عائشة وضعفه الهيثمي والألباني) , فالمؤمن يعمل ما أمره به ربه أولاً بأول , وهناك بعض الناس يظنون أن من لم ينطق الشهادتين عند موته مات على غير التوحيد والعياذ بالله , ولكن العبد إذا كان يصلي فإنه ينطق بالشهادتين في كل صلاة فعند موته فإنه يموت بعد صلاة الفجر أو الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء إذاً فقد مات على التوحيد , أما المصيبة إذا كان العبد لا يصلي , فأول ما يُسأل الإنسان يوم القيامة يُسأل عن شيئين الصلاة والدماء , فأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة أو في قبره يسأل عن صلاته فإن وجدت كاملة قبلت وسائر عمله وإن وجدت ناقصة ُردت وسائر عمله , فالصلاة الصلاة فلا حظ  في الإسلام لمن ترك الصلاة , وورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة) . (رواه مسلم من حديث جابر عبدالله وهو صحيح)
إذاً فالموت الفجأة يريح المؤمن فهذا من رحمة الله عز وجل فربما لو عاش هذا العبد ربما خف التزامه , ربما ضغطت عليه الدنيا فلم يصبر , ربما ابتُلى فلم ينجح , فمن كرم الله أن يموت هذا الإنسان فجأة , أما الآخر لم يتب لم يصلي لم يحاسب نفسه  ... إلى آخره , إذاً فهو حسرة على العاصى والكافر, فالمؤمن الحق يحاسب نفسه أول بأول .
- كُره الموت :
نأتي للمرض أو مرض الموت , فالإنسان لا يحب المرض ولا الموت , فالإنسان يكره الموت , فلماذا؟ نفس السؤال سئُل فيه ابو حازم احد تابعي تابعي التابعين دخل على ابو جعفر المنصور أمير المؤمنين قال : يابا حازم لِما نكره الموت , قال ابو حازم : يأمير المؤمنين تكرهون الموت لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخراكم والمرء بطبيعته لا يحب أن ينتقل من العمار إلى الخراب , وإبراهيم ابن ادهم لما جاء رجل غريب عن الكوفة وسأله أين العمران ياشيخ ؟ فقال له : تعالى خلفي فمشى خلفه إلى أن وصل به إلى المقابر , قال : ياشيخ أقول لك العمران تأتي بي إلى هنا , قال : كل الذين هناك يأتون إلى هنا ولا واحد من هنا يعود إلى هناك فهنا العمران الحقيقي , فنكره الموت لهذا لأننا نخاف من الغد نخاف من الحساب نخاف لأننا مقصرين كما قال أحد الصالحين : القول قول خائف والفعل فعل آمن , وهناك أشياء يجب أن يخاف المرء منها وأولها سوء الخاتمة وسوء الخاتمة وحسن الخاتمة يأتي من سابقة الأعمال , ويجب أن نخاف أيضاً من أن تهجم الناس علي يوم القيامة فيأخذ هذا من حسناتي وهذا من حسناتي ثم آخذ أنا من سيائتهم إذا فرغت حسناتي فهذا هو المفلس , وها هو أنس بن مالك : وهو كان يُوضئ النبي (صلى الله عليه وسلم) , وجد النبي ماء يسقط من أعلى فنظر فإذا دموع أنس تنهمر , قال : مالك يأنس , قال : يارسول الله تُوحْشّنيِ (أي أشتاق إليك) من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر , وتذكرت يوم القيامة أنت تكون مع النبيين والصديقين , وأنا أين أكون ؟  فبكى , قال يأنس تجدني يوم القيامة في مواطن ثلاث عند الميزان أو عند الحساب أو على جمبتي الصراط أدعو رب العباد يارب امتي يارب امتي .
لكن أبا ذر كان له فقه آخر بالنسبة للمرض كان يقول : أُحب الجوع وأحب المرض وأحب الموت , وهذه أشياء لا يُحبها أحد , قال : أنا إن جعت رق قلبي وإذا مرضت خف ذنبي (فالمرض كفارة للذنوب) وإذا مِتُ لقيتُ ربي , فكلنا نَدّعي محبة الله فمثلاً لو أن ابني يدرس خارج البلاد وغاب عني سنة أو سنتين فعندما يسألك أحدهم هل تريد أن تراه؟ هل تريد أن تلقاه ؟ فيجيب نعم هذا ولدي هذا حبيبي هذا فلذة كبدي , وعلى المقابل نقول : أنت تحب الله ؟ نعم , تريد أن تلقاه ؟ نعم , إذاً تحب أن تموت ؟ يقول لا , اذن فقضية الموت هذه ترعب من ؟ ترعب من لا يحب لقاء الله ومن يدعي محبة لقاء الله , فمن أحب الله أحب الله لقائه , ومن كرم الله تعالي في الدنيا أن جعل لنا لقاء معه في كل وقت وحين في الصلوات وعند ذكر الله وعند قراءة القرآن وعند فعل الطاعات .
- ربط الموت بالأسباب :
وهنا نعطي الركيزة الثانية من ركائز الوعد الحق , ليس ملك الموت أقرب إلى المريض منه إلى الصحيح , وليس ملك الموت أقرب إلى كبير السن منه إلى صغير السن , ورحم الله من قال (وكم من صحيح مات من غير علة ... وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر) , فليس معنى أن فلان مريض أن الموت أقرب إليه منك , وليس معني أن فلان أكبر مني سناً أن الموت أقرب إليه مني , ولذلك من جهل الناس عندما يموت أحدهم فيقول كم عمره ؟ أو هل كان مريضاً ؟ , فيجب أن نوقن أن ليس المريض هو المحكوم عليه بالموت , وليس الصحيح هو المحكوم عليه بطول العمر , فالموت لا يحتاج إلى علة من علل الدنيا , وهذه ركيزة أخرى من ركائز الوعد الحق , فالقضية ان الموت ليس له أسباب .
مشيناها خطى كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطى مشاها
 ومـن كانت منيته بأرض ....فليس يموت في أرض سواها

فهذه أقدار وأعمار كَتبها الله لنا ونحن في أرحام أمهاتنا , كَتب لنا ونحن في أرحام أمهاتنا مكان الموت وزمانه والطريقة التي نموت بها , وهذه قصة واقعية حصلت مع فضيلة الدكتور عمر عبد الكافي منذ ثلاثين عاماً , حيث تعطلت سيارة رجل فوق قضبان القطار قبل عبور القطار بدقائق , فأنزل الناس الرجل سريعاً والقطار على مقربة وأوقفوه بينهم وهو يبكي من شدة هول الموقف , ويأتي القطار ويدوس على السيارة فيطير اطار من السيارة فيقع على رأس سائق السيارة فيموت فوراً .